ابن قيم الجوزية

81

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الحوض وأكوابه عن كثب . وكثر العطاش وقل الوارد . ونصب الجسر للعبور ، ولزّ الناس إليه . وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه . والنار يحطم بعضها بعضا تحته . والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين . فينفتح في قلبه عين يرى بها ذلك . ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها ، والدنيا وسرعة انقضائها . ف « البصيرة » نور يقذفه اللّه في القلب ، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل . كأنه يشاهده رأي عين . فيتحقق - مع ذلك - انتفاعه بما دعت إليه الرسل ، وتضرره بمخالفتهم . وهذا معنى قول بعض العارفين « البصيرة : تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به » وقال بعضهم « البصيرة : ما خلّصك من الحيرة ، إما بإيمان وإما بعيان » . و « البصيرة » على ثلاث درجات ، من استكملها فقد استكمل البصيرة : بصيرة في الأسماء والصفات ، وبصيرة في الأمر والنهي ، وبصيرة في الوعد والوعيد . [ المرتبة الأولى البصيرة في الأسماء والصفات ] فالبصيرة في الأسماء والصفات : أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف اللّه به نفسه ، ووصفه به رسوله . بل تكون الشّبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشّبه والشكوك في وجود اللّه . فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر . وعقد هذا : أن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستويا على عرشه ، متكلما بأمره ونهيه ، بصيرا بحركات العالم علوية وسفليّه ، وأشخاصه وذواته ، سميعا لأصواتهم ، رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم ، وأمر الممالك تحت تدبيره ، نازل من عنده وصاعد إليه ، وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك . موصوفا بصفات الكمال ، منعوتا بنعوت الجلال ، منزها عن العيوب والنقائص والمثال . هو كما وصف نفسه في كتابه ، وفوق ما يصفه به خلقه . حي لا يموت . قيوم لا ينام . عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض . بصير يرى دبيب النملة السوداء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء . سميع يسمع ضجيج الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات . تمت كلماته صدقا وعدلا . وجلت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبها ومثلا . وتعالت ذاته أن تشبه شيئا من الذوات أصلا . ووسعت الخليقة أفعاله عدلا . وحكمة ورحمة وإحسانا وفضلا . له الخلق والأمر . وله النعمة والفضل . وله الملك والحمد . وله الثناء والمجد . أول ليس قبله شيء . وآخر ليس بعده شيء . ظاهر ليس فوقه شيء . باطن ليس دونه شيء . أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد . ولذلك كانت حسنى . وصفاته كلها صفات كمال ، ونعوته كلها نعوت جلال ، وأفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل . كل شيء من مخلوقاته دال عليه ، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه . لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ، ولا ترك الإنسان سدى عاطلا . بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته ، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته . تعرّف إلى عباده بأنواع التعرفات . وصرّف لهم الآيات . ونوّع لهم الدلالات . ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب . ومدّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب . فأتمّ عليهم نعمه السابغة . وأقام عليهم حجته البالغة ، أفاض عليهم النعمة ، وكتب على نفسه الرحمة . وضمّن الكتاب الذي كتبه : أن رحمته تغلب غضبه .